المقريزي
85
إمتاع الأسماع
اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس وأهل الكتاب ، فلما ولي وجهه قبل البيت أنكروا ذلك . قال زهير : حدثنا أبو إسحاق في حديثه عن البراء أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا ، فلم ندر ما نقول فيهم ، فأنزل الله عز وجل : ( وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم ) ( 1 ) ، ذكره في كتاب الإيمان ( 2 ) ،
--> ( 1 ) آية 144 / البقرة ، ورواية البخاري حتى ( إيمانكم ) . ( 2 ) ( فتح الباري ) : 1 / 128 ، كتاب الإيمان ، باب ( 30 ) ، الصلاة من الإيمان ، وقول الله تعالى : ( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) يعني صلاتكم عند البيت ، حديث رقم ( 40 ) . قوله : " يعني صلاتكم عند البيت " ، وقع التنصيص على هذا التفسير من الوجه الذي أخرج منه البخاري حديث الباب ، فروى الطيالسي والنسائي ، من طريق شريك وغيره عن أبي إسحاق عن البراء في الحديث المذكور : " فأنزل الله : ( وما كان الله ليضيع أيمانكم ) صلاتكم إلى بيت المقدس " . وعلى هذا فقول البخاري : " عند البيت " مشكل ، مع أنه ثابت عنه في جميع الروايات ، ولا اختصاص لذلك بكونه عند البيت ، وقد قيل إن فيه تصحيفا ، والصواب يعني صلاتكم لغير البيت . قال الحافظ ابن حجر : وعندي أنه لا تصحيف فيه ، بل هو صواب ومقاصد البخاري في هذه الأمور دقيقة ، وبيان ذلك أن العلماء اختلفوا في الجهة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوجه إليها للصلاة وهو بمكة ، فقال ابن عباس وغيره : كان يصلي إلى بيت المقدس ، ولكنه لا يستدبر الكعبة ، بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس . وأطلق آخرون : أنه كان يصلي إلى بيت المقدس ، وقال آخرون : كان يصلي إلى الكعبة ، فلما تحول إلى المدينة استقبل بيت المقدس ، وهذا ضعيف ، ويلزم منه دعوى النسخ مرتين ، والأول أصح ، لأنه يجمع بين القولين ، وقد صححه الحاكم وغيره من حديث ابن عباس . وكأن البخاري أراد الإشارة إلى الجزم بالأصح ، من أن الصلاة لما كانت عند البيت ، كانت إلى بيت المقدس ، واقتصر على ذلك اكتفاء بالأولوية ، لأن صلاتهم إلى غير جهة البيت وهم عند البيت إذا كانت لا تضيع ، فأحرى أن لا تضيع إذا بعدوا عنه ، فتقدير الكلام : يعني صلاتكم التي صليتموها عند البيت إلى بيت المقدس . قوله : " قبل بيت المقدس " ، بكسر القاف وفتح الموحدة ، أي إلى جهة بيت المقدس . قوله : " ستة عشر شهرا أو سبعة عشر " ، كذا وقع الشك في رواية زهير هذه هنا ، وفي الصلاة أيضا عن أبي نعيم عنه ، وكذا في رواية الثوري عنده ، وفي رواية إسرائيل عند البخاري ، وعند الترمذي أيضا . ورواه أبو عوانة في صحيحه ، عن عمار بن رجاء وغيره عن أبي نعيم فقال : " ستة عشر " من غير شك ، وكذا لمسلم من رواية أبي الأحوص ، وللنسائي من رواية زكريا بن أبي زائدة وشريك ، ولأبي عوانة أيضا من رواية عمار بن رزيق - بتقديم الراء مصغرا - كلهم عن أبي إسحاق ، وكذا لأحمد بسند صحيح عن ابن عباس . وللبزار والطبراني من حديث عمرو بن عوف " سبعة عشر " ، وكذا للطبراني عن ابن عباس . . . والجمع بين الروايتين سهل بأن يكون من جزم بستة عشر لفق من شهر القدوم وشهر التحويل شهرا وألغى الزائد ، ومن جزم بسبعة عشر عدهما معا ، ومن شك تردد في ذلك . وذلك أن القدوم كان في شهر ربيع الأول بلا خلاف ، وكان التحويل في نصف شهر رجب من السنة الثانية على الصحيح ، وبه جزم الجمهور . ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس . وقال ابن حبان : " سبعة عشر شهرا وثلاثة أيام " ، وهو مبني على أن القدوم كان في ثاني عشر شهر ربيع الأول . وشذت أقوال أخرى : ففي ابن ماجة من طريق أبي بكر بن عياش ، عن أبي إسحاق في هذا الحديث : " ثمانية عشر شهرا " ، وأبو بكر سيئ الحفظ ، وقد اضطرب فيه ، فعند ابن جرير من طريقه في رواية : " سبعة عشر " ، وفي رواية : " ست عشر " ، وخرجه بعضهم على قول محمد ابن حبيب أن التحويل كان في نصف شعبان ، وهو الذي ذكره النووي في ( الروضة ) وأقره ، مع كونه رجح في شرحه لمسلم رواية " ستة عشر شهرا " ، لكونها مجزوما بها عند مسلم ، ولا يستقيم أن يكون ذلك في شعبان إلا إن ألغي شهري القدوم والتحويل . وقد جزم موسى بن عقبة بأن التحويل كان في جمادي الآخرة ، ومن الشذوذ أيضا رواية : " ثلاثة عشر شهرا " ، ورواية : " تسعة أشهر " ، و " عشرة أشهر " ، ورواية : " شهرين " ، ورواية : " سنتين " ، وهذه الأخيرة يمكن حملها على الصواب . وأسانيد الجمع ضعيفة ، والاعتماد على القول الأول ، فجملة ما حكاه تسع روايات . قوله : " وأنه صلى أول " ، بالنصب لأنه مفعول صلى ، والعصر كذلك على البداية ، وأعربه ابن مالك بالرفع ، وفي الكلام مقدر لم يذكر لوضوحه ، أي أو صلاة صلاها متوجها إلى الكعبة صلاة العصر . وعند ابن سعد : حولت القبلة في صلاة الظهر أو العصر - على التردد - وساق ذلك من حديث عمارة بن أوس قال : " صلينا إحدى صلاتي العشى " . والتحقيق : أن أول صلاة صلاها في بني سلمة لما مات بشر بن البراء بن معرور الظهر ، وأول صلاة صلاها بالمسجد النبوي العصر ، وأما الصبح فهو من حديث ابن عمر بأهل قباء ، وهل كان ذلك في جمادي الآخرة أو رجب أو شعبان ؟ أقوال . قوله : " قبل مكة " ، أي قبل البيت الذي في مكة ، ولهذا قال : " فداروا كما هم قبل البيت " ، و " ما " موصولة ، والكاف للمبادرة ، وقال الكرماني : للمقارنة ، و " ما " مبتدأ وخبره محذوف . قوله : " قد أعجبهم " أي النبي صلى الله عليه وسلم ، ( وأهل الكتاب ) : هو بالرفع عطفا على اليهود ، من عطف العام على الخاص . وقيل : المراد النصارى ، لأنهم من أهل الكتاب ، وفيه نظر ، لأن النصارى لا يصلون لبيت المقدس ! فكيف يعجبهم ؟ وقال الكرماني : كان إعجابهم بطريق التبعية لليهود . قال الحافظ ابن حجر : وفيه بعد لأنهم أشد الناس عداوة لليهود ، ويحتمل أن يكون بالنصب ، والواو بمعنى ( مع ) ، أي يصلي مع أهل الكتاب إلى بيت المقدس ، واختلف في صلاته إلى بيت المقدس وهو بمكة . فروى ابن ماجة من طريق أبي بكر بن عياش المذكورة : " صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس ثمانية عشر شهرا " ، وصرفت القبلة إلى الكعبة بعد دخول المدينة بشهرين " ، وظاهره أنه كان يصلي بمكة إلى بيت المقدس محضا ، وحكى الزهري خلافا في أنه هل كان يجعل الكعبة خلف ظهره ، أو يجعلها بينه وبين بيت المقدس ؟ قال الحافظ ابن حجر : وعلى الأول فكان يجعل الميزاب خلفه ، وعلى الثاني كان يصلي بين الركنين اليمانيين ، وزعم ناس أنه لم يزل يستقبل الكعبة بمكة ، فلما قدم المدينة استقبل بيت المقدس ثم نسخ ، وحمل ابن عبد البر هذا على القول الثاني ، ويؤيد حمله على ظاهره إمامة جبريل ، ففي بعض طرقه أن ذلك عند باب البيت . قوله : " أنكروا ذلك " ، يعني اليهود ، فنزلت : ( سيقول السفهاء من الناس ) وقد صرح البخاري بذلك في روايته عن طريق إسرائيل . قوله : " قال زهير " ، يعني ابن معاوية بالإسناد المذكور بحذف أداة العطف كعادته ، ووهم قال إنه معلق ، وقد ساقه البخاري في ( التفسير ) ، مع جملة الحديث ، عن أبي نعيم ، عن زهير سياقا واحدا . قوله : " أنه مات على القبلة " ، أي قبلة بيت المقدس قبل أن تحول " لأجاب ، وقتلوا " ، ذكر القتل لم أره إلا في رواية زهير ، وباقي الروايات إنما فيها ذكر الموت فقط ، وكذلك روى أبو داود ، والترمذي ، وابن حبان ، والحاكم ، صحيحا عن ابن عباس ، وكذلك والذين ماتوا بعد فرض الصلاة ، وقبل تحويل القبلة من المسلمين عشر أنفس : فبمكة من قريش : ( 1 ) عبد الله بن شهاب . ( 2 ) المطلب ابن أزهر الزهريان . ( 3 ) السكران بن عمرو العامري . وبأرض الحبشة منهم : ( 1 ) حطاب - بالمهملة - ابن الحارث الجمحي . ( 2 ) عمرو بن أمية الأسدي . ( 3 ) عبد الله بن الحارث السهمي . ( 4 ) عروة بن عبد العزى . ( 5 ) عدي بن نضلة العدويان . ومن الأنصار بالمدينة : ( 1 ) البراء بن معرور ( بمهملات ) . ( 2 ) أسعد بن زرارة ، فهؤلاء العشرة متفق عليهم . ومات في المدة أيضا : إياس بن معاذ الأشهلي ، لكنه مختلف في إسلامه . قال الحافظ ابن حجر : ولم أجد في شئ من الأخبار أن أحدا من المسلمين قتل قبل تحويل القبلة ، لكن لا يلزم من عدم الذكر عدم الوقوع ، فإن كانت هذه اللفظة محفوظة ، فتحمل على أن بعض المسلمين ممن لم يشتهر قتل في تلك المدة في غير الجهاد ، ولم يضبط اسمه لقلة الاعتناء بالتاريخ إذ ذاك . ثم وجدت في المغازي ذكر رجل اختلف في إسلامه ، وهو سويد بن الصامت ، فقد ذكر ابن إسحاق : أنه لقي النبي صلى الله عليه وسلم ، قبل أن تلقاه الأنصار في العقبة ، فعرض عليهم الإسلام فقال : إن هذا القول حسن . وانصرف إلى المدينة فقتل بها في وقعة بعاث - بضم الموحدة وإهمال العين وآخره مثلثة - وكانت قبل الهجرة ، قال : فكان قومه يقولون . لقد قتل وهو مسلم ، فيحتمل أن يكون هو المراد . وذكر لي بعض الفضلاء : أنه يجوز أن يراد من قتل بمكة من المستضعفين كأبوي عمار ، قلت : يحتاج إلى ثبوت أن قتلهما بعد الإسراء . من فوائد هذا الحديث : ( 1 ) الرد على المرجئة في إنكارهم تسمية أعمال الدين إيمانا . ( 2 ) تغيير بعض الأحكام جائز إذ ظهرت المصلحة في ذلك . ( 3 ) بيان شرف المصطفى وكرامته على ربه لإعطائه له ما أحب من غير تصريح بالسؤال . ( 4 ) بيان ما كان في الصحابة من الحرص على دينهم والشفقة على إخوانهم ، وقد وقع لهم نظير هذه المسألة لما نزل تحريم الخمر ، كما يصح من حديث البراء أيضا فنزل : ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين ) ( 93 / المائدة ) ، وقوله تعالى : ( إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا ) ( 30 / الكهف ) ، ولملاحظة هذا المعنى ، عقب البخاري على هذا الباب بقوله : " باب حسن إسلام المرء " فذكر الدليل على أن المسلم إذا فعل الحسنة أثيب عليها ، وهو الحديث رقم ( 41 ) من الباب ( 31 ) في كتاب ( الإيمان ) . ( فتح الباري ) 1 / 128 - 133 حديث رقم ( 40 ) .